محمد محمد أبو ليلة
65
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
إنه أساطير الأولين اكتتبها محمد صلى اللّه عليه وسلم فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ، ومرة ثالثة يدّعون أن محمدا أخذه من رجل باليمامة يقال له الرحمن ، ورابعة يدّعون أنه تلقاه من أعجمي كان يعمل حدّادا بمكة ، ومرة يقولون عن محمد صلى اللّه عليه وسلم إنه ساحر ، وأخرى إنه مسحور ؛ وعلى الرغم من كل هذه الدعاوى ، لم يستطع واحد منهم أن يظهر المصدر البشرى الذي يدعيه للقرآن ، أو يدل بصدق على المعلّم الذي أخذه منه محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقد كان خصوم محمد صلى اللّه عليه وسلم يملكون المال والجاه والسلطان ، كما كانت لهم الغلبة في مضمار البلاغة والبيان ؛ ولكنهم اعتبروا مجرد الدعوى دليلا ؛ وهذه هي آفة المكابرين الجاهلين في كل عصر وفي كل مصر . ونتساءل لما ذا اختصت الشياطين محمدا بالقرآن ؛ بالرغم من أنها لم تكن لها سبيل إليه ، لا قبل النبوة ولا بعدها ؛ وكيف يملى الشيطان كلاما كالقرآن ، وهو الذي تصب عليه اللعنات فيه ؛ ومنه يتعلّم الناس مكايده ، وحيله ، وطرق مغالبته وصده ، وعصيان أمره ؛ كيف والاستعاذة من الشيطان الرجيم واجبة قبل الشروع في قراءة القرآن الكريم ؛ وأن من شعائر الحج في الإسلام ، رجم الشيطان ؛ وأن في كل شعيرة من شعائر الإسلام ، تحقيرا له وإذلالا ؛ وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يستعيذ بكلمات اللّه التامة من كل عين لامة ، ومن كل شيطان وهامة « 1 » . ومن المفيد أن نشير في هذا الصدد إلى الافتراض ، أو الزعم ، الذي قدّمه معارضو القرآن ، على عصر ابن كمونة اليهودي ، الذي عاش في القرن السابع الهجري يقول أهل الإفك ، وهكذا افترض ابن كمونة : " لم لا يجوز أن يكون القرآن أنزل على نبي آخر دعا محمدا أولا إلى دينه ، وإلى هذا الكتاب ، فأخذه منه محمد ، وقتله ، فلا جرم لم يظهر اسم ذلك النبي ، وبقي الكتاب في يد محمد ؟ " ، يرد ابن كمونة على هذا الاحتمال ، المستحيل عقلا ونقلا ، بقوله : " إن كل عاقل لو رجع إلى نفسه وأنصف ، علم أن هذا لم يقع ؛ ثم إن في القرآن عدة مواضع تدل على أنه صلى اللّه عليه وسلم هو المختص به دون غيره ، يعرف ذلك من تأمّل ما جاء فيه من حكاية أحوال النبي صلى اللّه عليه وسلم في وقته ، ومع أزواجه ، ومع المنافقين والكفار " « 2 » . هذا صحيح ؛ ونضيف أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم لم يأت بالقرآن جملة واحدة ، ولا قدّمه إلى الناس ، مجموعا في كتاب ؛ وإنما تلقاه مشافهة من جبريل عليه السلام ، وفي مراحل زمنية متباعدة ، أو متقاربة ، وفي أماكن مختلفة ، ونسأل أصحاب هذا الزعم ، أي نبي هذا الذي يأتي ، ولا يعرفه إلا شخص واحد هو محمد صلى اللّه عليه وسلم ؟ ! وأىّ شخص هذا الذي يصلح أن يكون نبيا ، ويؤتمن على كتاب من عند اللّه ،
--> ( 1 ) البخاري . خلق أفعال العباد بعقائد السلف ص 190 - 192 . ( 2 ) ابن كمونة . تنقيح الأبحاث في الملل الثلاثة . نشرة برلمان ط جامعة كاليفورنيا 1967 ص 70 - 72 .